... {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} | مدونة عالم المعرفة
Subscribe via RSS
| ]


بقلم: الدكتور زغلول النجار

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (سورة الإسراء الآية 12).

في هذه الآية الكريمة يذكرنا ربنا تبارك وتعالى بأنه قد جعل الليل والنهار آيتين من آياته الكونية المبهرة التي تدل علي طلاقة قدرته، وبالغ حكمته، وبديع صنعه في خلقه، فاختلاف هيئة كل من الليل والنهار في الظلمة والنور، وتعاقبهما علي وتيرة رتيبة منتظمة ليدل دلالة قاطعة علي أن لهما خالقاً قادرا عليما حكيما.

والآية في اللغة العلامة والجمع آي، وآيات والآية من كتاب الله جماعة حروف تكون كلمة أو مجموعة كلمات تبني منها الآية لتحمل دلالة معينة.

آراء المفسرين
يذكر عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد جعل من صفات الليل أنه مظلم، كما جعل من صفات النهار أنه منير، وربما كان ذلك هو آية كل منهما، وهذا الفهم دفع ببعض المفسرين إلي القول بأن من معاني قوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ}.. أي جعلنا الليل، وهو آية من آيات الله ـ مظلما، وجعلنا من صفاته تلك الظلمة.

وأن من معاني قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً}... أي جعلنا الآية (التي هي النهار) منيرة تعين علي الإبصار فيها، من نحو قول العرب: أبصر النهار إذا أنار وصار بحالة يبصر فيها، ولكن المقابلة بين محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة ربما تتحمل من المعاني ما هو فوق ذلك، مما يحتاج إلي توظيف العديد من الحقائق العلمية الحديثة من أجل حسن فهم دلالة تلك المقابلة.

فواضح نص الآية الكريمة أن الله تعالى قد محا آية الليل، وأبقي آية النهار مبصرة لكي يتيح الفرصة للخلق لابتغاء الفضل منه، والسعي علي كسب الرزق أثناء النهار، وللخلود إلي السكينة والراحة بالليل، وأن في هذا التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير وسيلة ميسرة لتحديد الزمن، ولتأريخ الأحداث، فبدون ذلك التتابع الرتيب لليل والنهار يتلاشي إحساس الإنسان بمرور الزمن، وتتوقف قدرته علي متابعة الأحداث والتأريخ لها.

ولذلك يمن علينا ربنا تبارك وتعالى في ختام هذه الآية الكريمة بأنه قد فصل لنا كل شيء في وحيه الخاتم القرآن الكريم الذي ليس من بعده وحي من الله، وليست من بعده أية رسالة ربانية، ولذلك جاء ذلك التفصيل الإلهي تفصيلا دقيقا واضحا لكل أمر من أمور الدين الذي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيه أية ضوابط صحيحة.

آيتا الليل والنهار
الليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق، تشهدان بدقة بناء الكون، وانتظام حركة كل جرم فيه، وإحكام السنن الضابطة له، ومنها تلك السنن الحاكمة لحركات كل من الأرض والشمس، والتي تتضح بجلاء في التبادل المنتظم للفصول المناخية، والتعاقب الرتيب لليل والنهار، وما يصاحب ذلك كله من دقة وإحكام بالغين..!!

فنحن نعلم اليوم أن التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير هو من الضرورات اللازمة للحياة علي الأرض، ولاستمرارية وجود تلك الحياة بصورها المختلفة حتي يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

فبهذا التبادل بين الظلام والنور يتم التحكم في درجات الحرارة والرطوبة، وكميات الضوء اللازمة للحياة في مختلف بيئاتها الأرضية، كما يتم التحكم في العديد من الأنشطة والعمليات الحياتية من مثل التنفس، والنتح، والتمثيل الضوئي، والأيض، وغيرها ويتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازي المحيط بالأرض، وضبط صفاته الطبيعية، وتتم دورة المياه بين الأرض والسماء والتي لولاها لفسد كل ماء الأرض كما يتم ضبط حركات كل من الأمواج المختلفة في البحار والمد والجزر، والرياح والسحاب، ونزول المطر بإذن الله.

ويتم تفتيت الصخور وتكون التربة بمختلف أنواعها ومنها الصالحة للإنبات، وغير الصالحة، وترسب الصخور ومنها القادرة علي خزن كل من الماء والنفط والغاز ومنها غير القادرة علي ذلك، وتركيز مختلف الثروات الأرضية، وغير ذلك من العمليات والظواهر التي بدونها لا يمكن للأرض أن تكون صالحة للحياة.

وتعاقب الليل والنهار علي نصفي الأرض هو كذلك ضروري، لأن جميع صور الحياة الأرضية لا تتحمل مواصلة العمل دون راحة وإلا هلكت، فالإنسان والحيوان والنبات، وغير ذلك من أنماط الحياة البسيطة يحتاج إلي الراحة بالليل لاستعادة النشاط بالنهار أو عكس ذلك بالنسبة لأنماط الحياة الليلية فالإنسان - علي سبيل المثال - يحتاج إلي أن يسكن بالليل فيخلد إلي شيء من الراحة والعبادة والنوم مما يعينه علي استعادة نشاطه البدني والذهني والروحي، وعلي استرجاع راحته النفسية، واستجماع قواه البدنية حتي يتهيأ للعمل في النهار التالي وما يتطلبه ذلك من قيام بواجبات الاستخلاف في الأرض.

وقد ثبت بالتجارب العملية والدراسات المختبرية أن أفضل نوم الإنسان هو نومه بالليل، خاصة في ساعات الليل الأولي، وأن إطالة النوم بالنهار ضار بصحته لأنه يؤثر علي نشاط الدورة الدموية تأثيرا سلبيا، ويؤدي إلي شيء من التيبس في العضلات، والتراكم للدهون علي مختلف أجزاء الجسم، وإلي زيادة في الوزن، كما يؤدي إلي شيء من التوتر النفسي والقلق، وربما كان مرد ذلك إلي الحقيقة القرآنية التي مؤداها أن الله تعالى قد جعل الليل لباسا، وجعل النهار معاشا.

وإلي الحقيقة الكونية التي مؤداها أن الانكماش الملحوظ في سمك طبقات الحماية في الغلاف الغازي للأرض ليلا، وتمددها نهارا يؤدي إلي زيادة قدراتها علي حماية الحياة الأرضية بالنهار عنها في الليل حين ترق طبقات الحماية الجوية تلك رقة شديدة قد تسمح لعدد من الأشعات الكونية بالنفاذ إلي الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وهي أشعات مهلكة مدمرة لمن يتعرض لها لمدد كافية.

ومن هنا كان ذلك الأمر القرآني بالاستخفاء في الليل والظهور في النهار ومن هنا أيضا كان أمره إلي خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم أن يستعيذ بالله تعالى من شر الليل إذا دخل بظلامه، وأن يلتجئ إلي الله ويعتصم بجنابه من أخطار ذلك فقال عز من قائل: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (سورة الفلق الآية 3).

فهذا الشر ليس مقصورا علي الظلمة وما يمكن أن يتعرض فيها المرء إلي مخاطر البشر، بل قد يمتد إلي مخاطر الكون التي لا يعلمها إلا الله تعالى.

ثم إن هذا التبادل في اليوم الواحد بين ليل مظلم ونهار منير، يعين الإنسان علي إدراك حركة الزمن، وتأريخ الأحداث، وتحديد الأوقات بدقة وانضباط ضروريين للقيام بمختلف الأعمال، ولأداء جميع العبادات، وللوفاء بمختلف العهود والحقوق والمعاملات وغير ذلك من الأنشطة الإنسانية، فلو كان الزمن كله علي نسق واحد من ليل أو نهار ما استقامت الحياة وما استطاع الإنسان أن يميز من حياته ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا، وبالتالي لتوقفت الحياة، ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالى في ختام الآية: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}.

ولذلك أيضا يمن علينا ربنا وهو تعالى صاحب الفضل والمنة بتبادل الليل والنهار في العديد من آيات القرآن الكريم، ومع إيماننا بذلك، وتسليمنا به يبرز التساؤل في الآية الكريمة التي نحن بصددها رقم 12 من سورة الإسراء عن مدلول آيتي الليل والنهار، وعن كيفية محو آية الليل وإبقاء آية النهار مبصرة؟..

في شرح معني هذه الآية الكريمة ذكر نفر من المفسرين أن آيتي الليل والنهار نيراهما، فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، وإذا كان الأمر كذلك فكيف محيت آية الليل، والقمر لا يزال قائما بدورانه حول الأرض ينير ليلها كلما ظهر؟.

فقد روي عن عبدالله بن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما أنه قال: كان القمر يضئ كما تضئ الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، وعلي ذلك فمعني قول الحق تبارك وتعالى:فمحونا آية الليل هو السواد الذي في القمر أي انطفاء جذوته، وأضاف: أن مدلول وجعلنا الليل والنهار آيتين أي ليلا ونهارا، وكذلك خلقهم الله عز وجل.

وتبع ابن عباس في ذلك قتادة(يرحمه الله) الذي قال: كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.
وفي الكلام إشارة دقيقة إلي الفارق الذي حدده القرآن الكريم في آيات عديدة بين ضوء الشمس ونور القمر، والذي لم يدركه العلماء إلا متأخرا بأن الأول ينطلق من نجم ملتهب شديد الحرارة، مضئ بذاته بينما الثاني ينتج عن انعكاس أشعة الشمس علي سطح القمر البارد المعتم.

وقال نفر آخر من المفسرين إن آية الليل هي ظلمته، كما أن آية النهار هي نوره ووضاءته، فالله تعالى جعل من الظلام آية لليل، كما جعل من النور آية للنهار، فيعرف كل منهما بأيته، أي بعلامته الدالة عليه، ومن هؤلاء المفسرين ابن جريج (يرحمه الله) الذي نقل عن عبدالله بن كثير (رحمة الله عليه) قوله: آيتا الليل والنهار هما ظلمة الليل، وسرف النهار.

وهنا يتبادر إلي الذهن السؤال التالي: كيف يستقيم هذا الفهم مع قول الحق (تبارك وتعالى): فمحونا آية الليل وظلمة الليل باقية مع بقاء نور النهار؟ وإذا كانت آية الليل هي ظلمته فكيف محيت تلك الظلمة وهي لا تزال باقية؟

وعلي الرغم من هذا التعارض فقد أيد عدد من المفسرين المعاصرين هذا الفهم بصورة أو أخري ومنهم صاحب الظلال (يرحمه الله) الذي كتب ما نصه... والليل والنهار آيتان كونيتان كبيرتان تشيان بدقة الناموس الذي لا يصيبه الخلل مرة واحدة، ولا يدركه التعطل مرة واحدة، ولا يني يعمل دائبا بالليل والنهار، فاما المحو المقصود هنا وآية الليل باقية كآية النهار؟ يبدو ـ والله أعلم ـ أن المقصود به ـ ظلمة الليل التي تخفي فيها الأشياء، وتسكن فيها الحركات والأشباح..، فكأن الليل محو إذا قيس إلي ضوء النهار، وحركة الأحياء فيه والأشياء، وكأنما النهار ذاته مبصر بالضوء (بالنور) الذي يكشف كل شئ فيه للأبصار.

من هذا الاستعراض يتضح اختلاف آراء المفسرين ـ قدامي ومعاصرين ـ في اجتهادهم لفهم دلالة الآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها (الآية الثانية عشرة من سورة الإسراء) فمنهم من قال بأن آية النهار هي نوره الوضاء، أو هي الشمس مصدر ذلك الضياء، بينما آية الليل هي ظلمته، أو هي القمر المتميز بظلمة سطحه الذي لا ينير إلا بسقوط أشعة الشمس عليه، وانعكاسها من ذلك السطح المعتم المظلم.

وقد دفع ذلك ببعض المفسرين إلي القول باحتمال كون القمر في بدء خلقه ملتهبا، شديد الحرارة، مشتعلا، مضيئا بذاته تماما كالشمس، ثم انطفأت جذوته وخبت، فمحي ضوءه الأصلي، ولم يعد له نور إلا ما يسقط علي سطحه من أشعة الشمس، وهذا الاحتمال لا تدعمه الملاحظات العلمية الدقيقة في صفحه الكون، وفي تاريخ الأرض القديم، فكتلة القمر المقدرة بحوالي 735 مليون مليون مليون طن البالغة حوالي 80/1 من كتلة الأرض لا تمكنه من أن يكون نجما ملتهبا بذاته فالحد الأدني لكتلة الجرم السماوي كي يكون نجما لا تقل عن 8% من كتلة الشمس المقدرة بألفي مليون مليون مليون مليون طن، أي لا يجوز للنجم أن تقل كتلته عن160 مليون مليون مليون مليون طن وهو أكثر من مائتي ضعف كتلة القمر.

ولو افترضنا جدلا إمكانية أن يكون القمر نجما لأحرق لهيبه الأرض لقربه منها ـ (380000 كيلومتر في المتوسط)، ولأدي إلي خلخلة غلافها الغازي، وإلي تبخير مياهها، وإلي تركها جرداء قاحلة لا أثر للحياة فيها علي الإطلاق...!!!

إضاءة السماء في ظلمة الليل كانت آية الليل، ومحوها هو حجبها عنا.

علي الرغم من الظلام الشامل للكون، والذي لم يدركه الإنسان إلا بعد ريادة الفضاء منذ مطلع الستينات من القرن العشرين، وعلي الرغم من محدودية الحزام الرقيق الذي يري فيه نور النهار بسمك، لا يتعدي المائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر في نصف الكرة الأرضية المواجهة للشمس حتي أن الإنسان في انطلاقه من الأرض إلي فسحة الكون في أثناء النهار فإنه يفاجأ بتلك الظلمة الكونية الشاملة التي يري فيها الشمس قرصا أزرق في صفحة حالكة السواد، لا يقطع من شدة سوادها إلا أعداد من النقاط المتناثرة، الباهته الضوء التي تحدد مواقع النجوم.

علي الرغم من كل ذلك فإن العلماء قد لاحظوا في سماء الأرض عددا من الظواهر المنيرة في ظلمة الليل الحالك نعرف منها:
(1) ظاهرة توهج الهواء في طبقات الجو العليا Airglowin the upperatmosphere وهي عبارة عن نور باهت متغير ينتج عن عدد من التفاعلات الكيميائية في نطاق التأين Ionosphere المحيط بالأرض من ارتفاع 90 إلي1000 كيلومتر فوق مستوي سطح البحر، وهو نطاق مشحون بالإلكترونات مما يساعد علي رجع موجات الراديوية إلي الأرض.

(2) ظاهرة أنوار مناطق البروج Zodiacal Lights وتظهر علي هيئة مخروط من النور الباهت الرقيق الذي يري في جهة الغرب بمجرد غروب الشمس، كما يري في جهة الشرق قبل طلوعها بقليل، وتفسر تلك الأنوار بانعكاس وتشتت ضوء الشمس غير المباشر علي بعض الأجرام الكونية التي تعترض سبيله في أثناء تحركها متباعدة عن الأرض أو مقتربة منها.

(3) ظاهرة أضواء النجوم Stellar Lights وتصدر من النجوم في مواقعها المختلفة، ثم تتشتت في المسافات الفاصلة بينها حتي تصل إلي غلاف الأرض الغازي.

(4) ظاهرة أضواء المجرات Galactic Lights وتصدر من نجوم مجرة من المجرات القريبة منا، والتي تتشتت أضواؤها في داخل المجرة الواحدة، ثم يعاد تشتتها في المسافات الفاصلة بين المجرات حتي تصل إلي الغلاف الغازي المحيط بالأرض.

(5) ظاهرة الفجر القطبي وأطيافه Aurora and Auroralspectra وتعرف هذه الظاهرة أيضا باسم الأضواء القطبية Polar Lights أو باسم فجر الليل القطبي Polar Nights Dawn وهي ظاهرة نورانية تري بالليل في سماء كل من المناطق القطبية وحول القطبية Polarand Subpolar Regions وتتركز أساسا في المنطقتين الواقعتين بين كل من قطبي الأرض المغناطيسيتين وخطي العرض المغناطيسيين 67 درجة شمالا، 67 درجة جنوبا، وقد تمتد أحيانا لتشمل مساحات أوسع من ذلك.

وتبدو ظاهرة الفجر القطبي عادة علي هيئة أنوار زاهية متألقة جميلة، تختلف باختلاف الارتفاع الذي تري عنده ويغلب عليها اللون الأخضر والأحمر والأبيض المشوب بزرقة والبنفسجي والبرتقالي وهي تتوهج وتخبو [أي تزداد شدة ولمعانا ثم تهدأ] بطريقة دورية كل عدة ثوان [قد تمتد إلي عدة دقائق]، وتتباين ألوان الشفق القطبي في أجزائه المختلفة تباينا كبيرا، وإن تناقصت شدة نورها إلي أعلي بصفة عامة.

حيث تتدلي تلك الأنوار من السماء إلي مستوي قد يصل إلي 80 كيلومترا فوق مستوي سطح البحر، وتمتد أفقيا إلي مئات الكيلومترات لتملأ مساحات شاسعة في صفحة السماء، علي هيئة هالات حلقية أو قوسية متموجة، تكون عددا من الستائر النورانية المطوية المتدلية من السماء، والتي يشبه نورها النور المصاحب لبزوغ الفجر الحقيقي.

ويفسر العلماء حدوث ظاهرة الفجر القطبي بارتطام الأشعة الكونية الأولية بالغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلي تأينه [أي شحنه بالكهرباء]، وإصدار أشعة كونية ثانوية، ثم تصادم الأشعات الكونية [وهي تحمل شحنات كهربية مختلفة] مع بعضها البعض، ومع غيرها من الشحنات الكهربية الموجودة في الغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلي تفريغها، وتوهجها، وتكثر الشحنات الكهربائية في الغلاف الغازي للأرض في كل من أحزمة الإشعاع Radiation Belts المعروفة باسم أحزمة فان ألن Van Allens Belts والموجودة في داخل نطق التأين المحيطة بالأرض Ionos phere Zones وفي نطق التأين ذاتها.

والأشعة الكونية الأولية Primary Cosmic Rays تملأ فسحة الكون علي هيئة الجسيمات الأولية المكونة للذرات Elementaryorsubatomic particles وهي جسيمات متناهية في الدقة، ومشحونة بشحنات كهربائية عالية، وتتحرك بسرعات تقترب من سرعة الضوء.

وتنطلق الأشعة الكونية الأولية من الشمس، وإن كان أغلبها يصلنا من خارج المجموعة الشمسية، ولم تكتشف تلك الأشعة الكونية إلا في سنة 1936م.

وتتسرب الأشعة الكونية الأولية إلي الأرض عبر قطبيها المغناطيسيين لتصل إلي أحزمة الإشعاع ونطق التأين في الغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلي تكون الأشعة الكونية الثانوية Secondary cosmicrays التي قد يصل بعضها إلي سطح الأرض فيخترق صخورها، أما الأشعة الكونية الأولية فلا يكاد يصل منها إلي سطح الأرض قدر يمكن قياسه.